الأحد، 4 أبريل 2010

"بلا وجعة راس.."

"بلا وجعة راس ..."
كنت قد هاتفت صديقي ليلة أمس .. ودعوته لشرب القهوة العربية معي، فلقد مر زمن طويل على لقائنا آخر مرة .. التقيته .. حادثته .. وتجاذبت معه أطراف الحديث عن أحوالنا وعن نشاطنا في الحياة بشكل عام وعنها بشكل خاص.
كان مرتاح الجلسة .. و"حاط رجل على رجل" ويشرب النرجيلة بلوية فِيهِ المعتادة، قابضاً على هاتفه النقال كل دقيقة.. يبصره هنينةً ثم يعيده إلى الطاولة والنرجيلة في فمه.. اتكأ و"تجبَّد" على كرسيه وسألني : "طيب وشو كمان .. هات خبرنا !؟" ..
صديقي شاب واع .. متعلم ونشيط .. ولذلك أخبرته في خضم الحديث عن نشاطٍ احتجاجي سأقوم به مع رفاقي في بحر الأسبوع القادم جرّاء ما يحدث في الأرض المحتلة هذه الأيام .. ودعوته بشكل طبيعي للانضمام معنا والخروج في هذا النشاط ... ولم أدرِ بأن كلامي صار صنفاً من أصناف النكات الابداعية ... فقد انطلق ضاحكا ومقهقا بجميع أنواع القهقهة بعد ابتسامة طال مداها طول حديثي له عن الموضوع... شرحت له وبينت بأني لا أمازحه وبأن ما أطلبه جِدي وهذا ليس حديثا أرفّه به عن نفسي معه، وبينت بأنه يجب أن يكون شابا مشاركاً بل وفاعلا في الحراك الجماهيري لتحصيل الحقوق الشعبية وأخذ الحرية القومية والوطنية ... فأخفض صوته قليلا وقال : "روح لتكفتنا يا زلما" . " مش ناقصنا وجعة راس .. بدنا نعيش !"

حسناً عزيزي ... لا تشارك ولا تتظاهر ولا تنتسب إلى حزب أو تجمع ما ولا تنتخب ولا تعترض ولا توافق ولا تساهم ولا تقترح أو حتى تقاطع ... ولا توجع رأسك بأي من هذه النشاطات .. لكن ... أرجو ألا توجع رأسي بشكواك عن سعر الخبز أو الوقود .. ليس من حقك أساساً أن تعترض على أجرة "التاكسي" الباهظة عندما تتحرك فيك المركبة مسافة 200 متر، ولا تنصعق إذا قررت الحكومة يوماً أن تقتطع مبلغ 100 دينار من دخلك الشهري لدعم الجامعات أو "التلفزيون" المحلي، كل هذه الأمور ليس من حقك أن تتدخل فيها إن لم تكن جزءاً من الحراك الشعبي المشارك في صناعتها وليس من حقك الشكوى مع أصدقائك وأنت لست جزءاً من الشكوى الشعبية العامة التي تطالب ليل نهارٍ بحقوقك ورفاهيتك وأن تغني خارج سربها بحجة "بلا وجعة راس" .

المشاركة السياسية ليست ألما أو مرضا يصيب رأسك .. انها قرارك وخياراتك بالحياة، انه الشعور بأنك تتشارك الإقليم الذي تعيش فيه مع سكانه، انها التطوير والازدهار وتحقيق الأفضل لبلدك، انها حكم الذات وليس التسليم، إنها الحرية وحق تقرير المصير وحق الانتاج و التصنيع والتعبير... انها الحياة الأفضل بغض الطرف عن أنّاتها وأنّات التجارب الفاشلة التي عشناها ونعيشها اليوم.

وختاماً صديقي العزيز... أرجو أن تعتبر من قصة الأب الذي أعطى أبناءه حزمة من العصي ليحاولوا كسرها ولم يقدروا، ولتعلم أن "وجع الرأس" لا يغيب عنك للحظة .. ولتحيا الأنظمة فهي لا تقطع عنك " البندول ".

السبت، 6 مارس 2010

أنا عائد ..

لا أريد العودة لبلادي .. فلقد عدت أخيرا من هنا ، لقد عدت إلى فلسطين أخيرا وقد حررتها من معترك الفوضى والبعد القاسي ولقد عدت كطير هذب ريشه فوق تلال الكرمل وانحنى نحو حجارة بيت أبيه مثل مسير القوافل نحو بيت مسجىً بلون الغياب . أنا من هنا أو هناك .. أنا رملة تحتسي ريها من سراب الحكايات التي تروى من الأصدقاء ..
صديقي أعادني من هنا نحو البلاد وفوق السحاب وتحت الهضاب بأجنحة من رخام وماس تصد الرصاص الذي أطلقته المدافع منذ انبثاق أبي من صلب جدي الحبيب .. كم جميلة هي العودة دون اتفاق على أي شئ ودون قصاصات نمرود اللعين .. ولكني برغم الأهازيج هذه ورغم التأرجح فرحا دائما بطعم بلادي برغم كل هذا وذاك .. أخاف من الهجرة الآتية .. وأعرف أنها آتية .. فبعد قليل من الأشهر سيتخرج صديقي مصطفى من كلية الإعلام

الخميس، 28 يناير 2010

القمع المقنع في الأردن


مثله كثر .. هو مواطن أردني و إعلامي سابق بإحدى المحطات العربية كان مراسلها في العراق إبان الاحتلال الأميركي .. ابراهيم كان يعمل في العراق موفدا من هذه القناة بعد أن أنهى دراسة الصحافة والإعلام .. كان في بغداد عندما سمع صراخ امرأة تستنجد بالصوت العالي لمن يخلصها من يد ثلاثة جنود أمريكيين أرادوا اغتصابها .. ابراهيم وزميله المصور هرعوا عندما سمعوا صوتها إلى المبنى التي كانت به هذه الفتاة العراقية .. وصلوا إلى مكان الجريمة .. هجموا .. خلصوا .. تخاصموا .. حتى أتت نجدة الأوغاد من زملائهم واعتقلوا ابراهيم والمصور ..

صودرت معداتهم وبقوا معتقلين لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر دون أدنى معلومات عنهم والأدهى من ذلك أن المحطة العربية التي ابتعثتهم إلى العراق قد تخلت عنهم وطالب بكتمان الأمر وكأن شيئا لم يكن ولا أستبعد أنها قد قامت بتقديم اعتذار رسمي لقوات الاحتلال تطلب منها السماح .. وبعد أشهر تم الإفراج عنهم وإعادتهم إلى الأردن .. "وطن ابراهيم" وملاذه بعد كل مصيبة

خسر وظيفته الإعلامية وتخلت عنه القناة وبعد أن عاد إلى وطنه ، طلبته أجهزة المخابرات للتحقيق معه في الحادث .. استمر التحقيق معه وكانت النتيجة .. "لا وظيفة لك ولا رزق لك في بلدك" .. منع من التوظيف في الوظائف الحكومية وصدرت بحقه توصيات بمنع التوظيف حتى في الصحف المحلية الخاصة والآن لم يجد عملا إلا كسائق عمومي على سيارة مستأجرة وليست ملكاً حتى .. لست أدري كيف تسلب الحقوق وتسلب الأوطان من أصحابها لتذهب إلى رؤوس أموال فاسدة .. كيف يمنع ابراهيم صاحب النخوة وصاحب الشرف الذي لم يحتمل صوت امرأة صرخت واه عرباه ..ويسمح للفاسدين واللصوص باستلام المناصب العامة و الخاصة .

ابراهيم لم يكن إلا قصة رجل أثرت بي عندما سمعتها وهناك الكثير الكثير من القمع الذي لا تستطيع أن تظهره مراكز حقوق الإنسان الأمريكية ولا حتى المحلية وهذا لأنه وبكل اختصار قمع مقنع ومظاهره كثيرة فهناك العديد من الشباب الجامعيين الذين يمتلكون فكرا سياسيا معارضا لا يوظفون عند التخرج وذلك كله يتم بسرية تامة بين أرباب العمل الخاص والوزارات الحكومية وبين المخابرات العامة التي ترسل ردها على كل متقدم للوظائف بمقبول أو غير لائق لهذه الوظيفة .. من تطوع ليدافع عن أرض العراق لا يوظف بل ويحقق معه عند كل صغيرة وكبيرة .. من تظاهر ضد العدو الصهيوني أو أضرب عن عمله تجاه رفع الأسعار يواجه نفس القمع الذي ذكرته وهو الحرمان من الرزق أي عدم التوظيف إنهم لا يعذبون ولا ينفون ولا يسحبون الجنسية إنهم يمنعونك من الأكل ويمنعونك من كسب قوتك اليومي لتجوع ولتعمم هذه الظاهرة على كل من يحاول أن يصنع مثلك .. والحنكة السياسية تقتضي عدم تسيير هذا القمع على كل من يفتح فمه بل تتم هناك سياسة انتقاء ليكون القمع كما ذكرت قمعا مقنعا ولتبقى السياسة آخر ما يفكر به المواطن الأردني لأنها "وجع راس" .